ابن عابدين

295

حاشية رد المحتار

كتاب الجهاد هذا الكتاب يعبر عنه بالسير والجهاد والمغازي ، فالسير جمع سيرة وهي فعلة بكسر الفاء من السير ، فتكون لبيان هيئة السير وحالته ، إلا أنها غلبت في لسان الشرع على أمور المغازي وما يتعلق بها كالمناسك على أمور الحج ، وقالوا : السير الكبير فوصفوها بصفة المذكر لقيامها مقام المضاف الذي هو الكتاب كقولهم صلاة الظهر ، وسير الكبير خطأ كجامع الصغير وجامع الكبير . بحر . مطلب في فضل الجهاد قلت : والسير الكبير والسير الصغير كتابان للإمام محمد بن الحسن رحمه الله تعالى على صيغة جمع سيرة لا على صيغة المفرد . هذا وفضل الجهاد عظيم ، كيف وحاصله بذل أعز المحبوبات وهو النفس ، وإدخال أعظم المشقات عليه تقربا بذلك إلى الله تعالى ، وأشق منه قصر النفس على الطاعات على الدوام ، ومجانبة هواها ، ولذا قال ( ص ) وقد رجع من غزاة رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ويدل عليه أنه ( ص ) أخره في الفضيلة عن الصلاة على وقتها في حديث ابن مسعود : قلت : يا رسول الله أي الأعمال أفضل ؟ قال : الصلاة على ميقاتها . قلت : ثم أي ؟ قال : بر الوالدين . قلت : ثم أي ؟ قال الجهاد في سبيل الله ، ولو استزدته لزادني رواه البخاري ، وجاء تأخيره عن الايمان في حديث أبي هريرة المتفق عليه قال : سئل رسول الله ( ص ) : أي العمل أفضل ؟ قال : إيمان بالله ورسوله ، قيل ثم ماذا ؟ قال : الجهاد في سبيل الله ، قيل ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور ويجب أن يعتبر كل من الصلاة والزكاة مرادة بلفظ الايمان من عموم المجاز . ولا ترد في أن المواظبة على أداء فرائض الصلاة في أوقاتها أفضل من الجهاد ، لأنها فرض عين وتتكرر ، ولان الجهاد ليس إلا للايمان وإقامة الصلاة ، فكان حسنا لغيره والصلاة حسنة لعينها وهي المقصود منه ، وتمام تحقية ذلك ما ورد في فضل الجهاد المذكور في الفتح . مطلب : المواظبة على فرائض الصلاة في أوقاتها أفضل من الجهاد قلت : وقد نص على ذلك الامام السرخسي في شرح السير الكبير حيث قال عن أبي قتادة : أن رسول الله ( ص ) قام يخطب الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ذكر الجهاد فلم يدع شيئا أفضل من الجهاد إلا الفرائض يريد به الفرائض التي تثبت فريضتها عينا وهي الأركان الخمسة ، لان فرض العين آكد من فرض الكفاية ، والثواب بحسب آكدية الفرضية ، فلهذا استثنى الفرائض . مطلب في تكفير الشهادة مظالم العباد ثم ذكر أحاديث في أن الشهيد تكفر خطاياه ، إلا الدين . وقال : إذا كان محتسبا صابرا مقبلا . قال وفيه بيان شدة الامر في مظالم العباد . وقيل كان هذا في الابتداء حين نهى ( ص ) عن الاستدانة لقلة ذات يدهم وعجزهم عن قضائه ، ولهذا كان لا يصلي على مديون لم يخلف مالا ، ثم نسخ ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام : من ترك مالا فلورثته ، ومن ترك كلا أو عيالا فهو علي وورد نظيره فيلا الحج أنه ( ص ) دعا لامته بعرفات ، فاستجيب له إلا المظالم ، ثم دعا بالمشعر الحرام فاستجيب له حتى المظالم ، فنزل جبريل عليه السلام يخبره أنه تعالى يقضي عن بعضهم حق البعض فلا يبعد مثل ذلك في حق الشهيد المديون .